محمد الحفناوي
430
تعريف الخلف برجال السلف
بما عنده من كثرة الثواب ، وأن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا إلى غير ذلك مما اشتمل عليه مجلسه ، وهذا طريق حسن لأنه لم يبق عند اللّه إلا الطمع في الرغبة فيما عنده ، لأن الخوف فائدته إنما هو الحضّ على العمل ، وحين الموت انقطع العمل ولم يبق إلا قوة الأمل ليلقى اللّه طيبة نفسه ، فيحبّ لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءه حسبما اقتضاه الحديث . ولقد رأيت فصلا فيه ذكر وفاته بخط الشيخ المقرئ أبي العباس بن الخراط ، وأنا أذكره بنصه : قال رحمه اللّه : إن وفاته كانت بعد صلاة [ 26 ] العصر من يوم الجمعة الرابع عشر من شهر رمضان من عام أحد عشر وست مائة ( 611 ) ، وتوفي في هذا اليوم فجأة من غير تقدم مرض ، قال : وكان قد رتب ميعادا بالقراءة لسماع تفسير القرآن العظيم ، وميعادا بعد صلاة الظهر لسماع حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على جري عادة السلف الصالح في شهر رمضان ، فبينما أنا أقرأ بين يديه بالغداة وقد مرت آية فهم منها ما لم نفهم ، وعلم من فحواها ما لم نعلم ، إذ وثب قائما ، فنزع طيلسانه ، وطرح رداءه ، وحسر رأسه ، وبسط يديه ، ورد ذراعيه فأمسك عن القراءة ، فتعوذ بصوت رفيع وبسمل ، فافتتح القراءة بقول اللّه تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ « 1 » ولم يزل يرددها ويكررها بتحدير وترنين ، ثم أقبل علي ثم أقبل على الناس بخضوع وخشوع ، وأخذ يبين لهم ما عند اللّه من سعة الرحمة وإضعاف الحسنات والتجاوز عن السيئات ، وأن اللّه لا يضيع أجر المحسنين ، ثم قال : يا إخواني سألتكم باللّه إلا ما ضممتم صبيانكم وأولادكم وأصاغركم ودعوتم لي ، ولا تنسوني فإني جار لكم ، فلست أنساكم ، وأكثر هذا القول في بكاء شديد حتى كأنه أشعر أنه راحل من الدنيا وأن ذلك وداع منه للناس ، ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 38 .